بيت المقدس فضلٌ رباني وكنز من البركات



بيت المقدس: فضلٌ رباني وكنز من البركات


فضل بيت المقدس وعمارته وما يجلبه من الخير لأهله


قال الله تعالى:

﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾.
ولو لم يُذكر في فضل بيت المقدس غير هذه الآية لكفى بها شرفا، فقد جعله الله موضعا للبركة ومشهدا لآياته. وهو موطن الأنبياء، ومحل نزول الوحي، ومسرى خاتم المرسلين.

وقد قال تعالى عن إبراهيم ولوط عليهما السلام: ﴿ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾، والمقصود بها أرض الشام، وهي تشمل بيت المقدس.
وقال أيضا: ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة﴾، أي القرى الواقعة بين اليمن وبيت المقدس.
وقال سبحانه مخاطبا بني إسرائيل: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾.
وفي قوله: ﴿ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق﴾، قيل إنه بيت المقدس، وقيل أرض الشام عامة.

أما قوله: ﴿فإذا هم بالساهرة﴾، فالساهرة قريبة من بيت المقدس، وقيل: هي موضع المحشر.

وفي قوله: ﴿والتين والزيتون﴾، قال بعض المفسرين إن "التين" يشير إلى دمشق، و"الزيتون" إلى بيت المقدس.
كما قيل في الآية: ﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة﴾، أن المقصود بها سور بيت المقدس، فيه أبواب الرحمة، وخارجه وادي جهنم.

ومن السنة، قوله صلى الله عليه وسلم:

"لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
وروي عن أبي ذر رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله: "أي مسجد وُضع في الأرض أولًا؟" فقال: "المسجد الحرام"، قال: "ثم أي؟" قال: "المسجد الأقصى"، قلت: "كم بينهما؟" قال: "أربعون سنة".

وقال عمران بن حصين: سألت النبي: "أي المدينتين أفضل؟"، قال: "كيف بك إذا فتحت بيت المقدس؟" قلت: "أهو خير من المدينة؟" قال: "نعم، من أقام فيه كأنما هو في رباط في سبيل الله".


وقال كعب الأحبار: لا تقوم الساعة حتى يُساق المسجد الحرام والمسجد الأقصى إلى الجنة بأهلهما.
كما روي أن سليمان عليه السلام قال: إن الكعبة ستؤتى يوم القيامة إلى بيت المقدس.
وقوله تعالى: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾، فُسّرت بأنها بيت المقدس، وفيها إشارة إلى أنها محل للعبادة والطاعة، ووراثة الخير.

وجاء في أقوال السلف أن من سكن بيت المقدس فقد جاور الله، وأن الله يطّلع إليه مرتين كل يوم، وله فيه باب من السماء ينزل منه الخير والرحمة.

وعن عبد الله بن عمر، أنه قال: إن بيت المقدس له مكان في السماء كمكانه في الأرض، وإنه أقرب الأرض إلى السماء بعد الكعبة.
وقال كعب: من صلى فيه ركعتين غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن تصدق فيه ولو بدرهم، كتب الله له ألف حسنة، ومن زاره كُتب من العابدين.

وقال مكحول عن كعب: من زار بيت المقدس فصلى عن يمين الصخرة وشمالها، ودعا عند السلسلة، وتصدق ولو بقليل، استجيب دعاؤه، وغُفر ذنبه، وإن سأل الله الشهادة رزقه إياها.

وقال الحسن البصري: من تصدق فيه بدرهم فُدي من النار، ومن تصدق برغيف نال به جبالا من الحسنات.
وقال عبد الله بن عمرو: الصلاة فيه بألف، والركعة الواحدة بألف ركعة، ومن توضأ فيه وصلى أربع ركعات، عاد كما ولدته أمه.

وعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، أنها سألته عن بيت المقدس، فقال:
"هو أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلّوا فيه، فإن الصلاة فيه بألف صلاة"، قالت: "فإن لم أستطع؟" قال: "أهدي له زيتا يُسرج فيه، فمن فعل ذلك فكأنما صلى فيه".

وقال وهب بن منبه: سكانه جيران الله، ومن سكنه فقد جاور الرحمن، وإن من حق الجار على جاره ألا يُعذبه.
وقال مقاتل: من نوى السفر إلى بيت المقدس غفر الله له، وقال لملائكته: "اشهدوا أني قد غفرت لهما".


كما رُوي أن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين، وأن من دفن فيه نال كرامة الجوار الإلهي.
وأنه إذا قال العبد لصاحبه "هيا نزور بيت المقدس"، قال الله: "غفرت لكما ما لم تفعلا معصية".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن خيار أمتي يسكنون بيت المقدس، ومن صلى فيه ركعتين غفر الله له، ومن زاره كان ضيفًا على الله".
وفي الحديث أيضًا أن المساجد كلها تُساق يوم القيامة إلى بيت المقدس، فتحيط به كما تُزف العروس إلى بيتها.

وقد ذُكر أن نبي الله سليمان عليه السلام دعا الله لما فرغ من بناء المسجد الأقصى، وقال: "اللهم من صلى في هذا المسجد تائبًا فاغفر له، ومن دعا فيه فاستجب له، ومن تصدق فيه فاقبل منه"، فاستجاب الله له.

وكان في بنائه ثلاثون ألف عامل، عشرة آلاف في الخشب، وسبعون ألفا في الحجارة، وثلاثمائة من الأمناء، بخلاف من سخرهم الله له من الجن.
وكان يُفرش بألواح الذهب والفضة، وتُضاء قناديله بالزيت المبارك، وتُجلب له الأرزاق من الشام واليمن ومصر.

وقد وُصف بيت المقدس بأنه قلب الأرض وروحها، وأن من أحبه أحبه الله، ومن سكنه نال الأمان، ومن زاره كتب الله له نورا إلى يوم القيامة.
وأنه لا يُسكنه إلا طاهر، ولا يُدفن فيه إلا كريم، وأنه مفتاح من مفاتيح الجنة.


المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق

https://www.effectivegatecpm.com/h5xk283j?key=86ee2fdce16a5fa68d79b72645c63b83